جان لوئيس بوركهارت

302

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

ولونها . وكانت أحراج العشر والسنط الكثيفة تعرقل سير الإبل ، وهبت علينا ريح عاتية أثارت الغبار والرمل حتى حجبت عن أبصارنا كل شئ فلم نعد نبصر ولو على عشر ياردات . وضللنا طريقنا بين الشجر ، وطفقنا نخبط خبط عشواء برهة أفزعنا فيها بعض الرعاة إذ حسبونا من أعدائهم البشاريين فساقوا قطعانهم على عجل ، وبعد ثلاث ساعات بلغنا خياما لبدو من الهدندوة فحططنا هناك . وكان خبير من كبار خبرائنا زوجا لإحدى قريبات شيخ المخيم ، ونزلنا في الساحة التي تحيط بها الخيام ، وكانت مضروبة على شكل دوّار أو حلقة كما هي العادة في شبه جزيرة العرب أيضا . وفي المساء هبت علينا عاصفة أخرى لا أذكر أنني رأيت لشدتها مثيلا ، فقد ظهرت أول الأمر غيمة زرقاء قاتمة تعلو نحو 25 درجة فوق الأفق ، ولما دنت وعلت اربدّ لونها وشابتها صفرة خفيفة ، وراع جلال هذه الظاهرة من لم يألف رؤيتها من قبل . ولما دنت الغيمة منا شاعت فيها الصفرة على حين كان الأفق أصفى ما يكون زرقة . ثم دهمتنا وهي تسرى حثيثا ولفتنا في ظلمة دامسة وأشاعت الاضطراب في صفوفنا ، فلم يكن الرجل منا يميز شيئا على خمس أقدام أو ست ، وامتلأت عيوننا بالغبار ، وعصفت الريح بمظالنا المؤقتة حالما مستها ، وعصفت معها بما هو أمكن منها من خيام الهدندوة . أما الخيام الكبيرة فصمدت للعاصفة برهة ثم أذعنت فإذا المخيم كله صعيد جرز ، وزاد اضطرابنا أن الإبل همت بمقاودها - والفزع يملؤها - فقطعتها فرارا من الهلاك المحدق بها . واتصل هبوب الريح نصف ساعة لم تعرف فيها هوادة ، ثم سكتت فجأة ، وصفا الجو ، ومضت الغيمة الرهيبة في طريقها شمالا تحمل معها الخراب والدمار . ومثل هذه العاصفة كثير في هذا الموسم ، على أن تدميرها لا يعدو ما ذكرت ، فما هي إلا دقائق حتى نصبت الخيام من جديد وعاد كل شئ كما كان . لم نلق من الهدندوة إكراما يذكر ، وحططنا في وسطهم خشية التعرض لهجوم بالليل ، وبتنا نحرس بضاعتنا مخافة أن تمتد إليها أيديهم بالسرقة على ما هو معهود فيهم . وكانت عيون الماء بعيدة عن المضارب ، وكان على قاصدها أن يشق طريقه في الغابة ، وهو طريق محفوف بالخطر على الغرباء ، لذلك ألزمنا الهدندوة